أبرز النقاط
- تحول أدوات القمع الإمبريالية التي استُخدمت تاريخياً في المستعمرات إلى الداخل الغربي لاستهداف المواطنين والطلاب.
- تآكل الحريات الأكاديمية وحرية التعبير في الجامعات الغربية بذريعة حماية الأمن ومواجهة تداعيات حرب غزة.
- انهيار النظام الدولي القائم على القواعد واستبداله بهياكل سلطوية جديدة تخدم الهيمنة الأمريكية المطلقة.
السياق العام
منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر وصدور قانون ‘الوطنية’ (Patriot Act)، شهدت الولايات المتحدة والديمقراطيات الليبرالية في أوروبا الغربية توسعاً غير مسبوق في سلطاتها الشرطية. هذا التوسع لم يعد يقتصر على تبرير الحروب الإمبريالية في الخارج، بل بات موجهاً بشكل متزايد نحو الداخل. بدأت الموجة الأولى بالمراقبة الشاملة، ثم تعمقت خلال جائحة كوفيد-19، وصولاً إلى قمع الآراء المعارضة للرواية الرسمية بشأن الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022، حيث شاركت المؤسسات الثقافية والجامعية في إقصاء الهوية الروسية بشكل غير مسبوق.
بلغت هذه النزعة القمعية ذروتها بعد عملية ‘طوفان الأقصى’ في أكتوبر 2023 وحرب الإبادة الإسرائيلية في غزة. هنا، تحولت الدولة الليبرالية إلى ‘دولة بوليسية’ بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حيث تم تفكيك مفاهيم الحرية الأكاديمية وحرية التجمع تحت دعاوى حماية ‘المشاعر’ ومواجهة معاداة السامية، بينما تظهر الاستطلاعات أن قطاعاً واسعاً من اليهود الأمريكيين أنفسهم يعارضون هذه السياسات القمعية ويرفضون الجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية.
التحليل الجيوسياسي/الاقتصادي
بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA)، فإن هذا التحول الغربي يحمل دلالات خطيرة. إن تآكل ‘القيم الليبرالية’ في العواصم الغربية يعني سقوط ورقة التوت التي كانت تُستخدم للضغط على دول المنطقة في ملفات حقوق الإنسان. نلاحظ اليوم أن القمع الممارس في جامعات النخبة الأمريكية (آيفي ليج) يعكس ذات الأساليب التي طالما انتقدها الغرب في الدول السلطوية. علاوة على ذلك، فإن نشوء ما يسمى ‘مجلس السلام’ وتفكيك الأمم المتحدة يضع دول المنطقة أمام نظام عالمي جديد لا يعترف بالقانون الدولي بل بالقوة المحضة.
اقتصادياً، يشير المحللون إلى أن التوجه الأمريكي نحو الهيمنة المطلقة، بما في ذلك التهديد بضم أراضٍ حليفة مثل كندا أو السيطرة على موارد دول مثل فنزويلا، يعكس رغبة في تأمين ‘المجال الحيوي’ للولايات المتحدة على حساب الاستقرار العالمي. هذا يضع القوى الإقليمية في الشرق الأوسط مثل السعودية ومصر والإمارات أمام ضرورة تنويع تحالفاتها الاستراتيجية (التحول شرقاً نحو بريكس)، خاصة مع استهداف واشنطن المتزايد للمهاجرين من أصول عربية وإسلامية عبر إجراءات تعسفية واختطافات تقوم بها وكالات الهجرة (ICE).
التوقعات المستقبلية
تشير المعطيات الحالية إلى أن العالم يتجه نحو ‘تمزق’ في النظام الدولي وليس مجرد انتقال للسلطة. من المتوقع أن تزداد وتيرة الدولة البوليسية في الغرب، حيث سيتم تجريم التضامن مع القضايا العادلة (وعلى رأسها القضية الفلسطينية) بوصفه ‘إرهاباً محلياً’. سيتعين على دول الشرق الأوسط التعامل مع ولايات متحدة أكثر عدوانية وانعزالية في آن واحد، حيث تُعطى الأولوية للنهب الاقتصادي المباشر وقمع المعارضة الداخلية. إن ما وصفه إيمي سيزير بـ ‘النازية كاستعمار ارتد إلى الداخل’ يتجسد اليوم في السياسات الغربية المعاصرة، مما ينذر بنهاية عصر ‘الإجماع الدولي’ وبداية حقبة من الصراعات الوجودية داخل المجتمعات الغربية نفسها.
المصدر: Section Feed




