أبرز النقاط
- تصاعد التوتر الأمني في مدينة الحسكة عقب حملة اعتقالات شنتها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) طالت موظفين وعسكريين حكوميين.
- دمشق توجه تحذيراً شديد اللهجة وتعتبر هذه التحركات خرقاً صريحاً لتفاهمات وقف إطلاق النار والتهدئة برعاية دولية.
- مخاوف من انفجار الأوضاع ميدانياً في شمال شرق سوريا بما يخدم المصالح التركية أو يعيد رسم خارطة النفوذ الأمريكي.
السياق العام
تشهد مدينة الحسكة، الواقعة في الشمال الشرقي من سوريا، حالة من الغليان الأمني والعسكري بعد سلسلة من الإجراءات التصعيدية التي اتخذتها قوات سوريا الديمقراطية «قسد». ففي الساعات الأخيرة، قامت الوحدات الكردية بفرض طوق أمني حول ما يُعرف بـ «المربع الأمني» الذي تسيطر عليه الدولة السورية، ونفذت حملة اعتقالات استهدفت عدداً من الشخصيات المرتبطة بالإدارة المحلية والقوات الرديفة. هذا التصعيد لا يعد الأول من نوعه، لكن توقيته يطرح تساؤلات جدية حول النوايا المبيتة لتعطيل قنوات الحوار الفاترة أصلاً بين القامشلي ودمشق.
تاريخياً، كانت العلاقة بين الحكومة السورية والإدارة الذاتية تتأرجح بين التعاون الضروري لمواجهة التهديدات التركية، والمواجهة الصامتة حول ملفات السيادة والموارد النفطية. إلا أن الضغوط الحالية في الحسكة تأتي في ظل تعقيدات إقليمية كبرى، حيث تسعى كل جهة لتعزيز أوراقها التفاوضية. دمشق من جانبها ترى في هذه الاعتقالات استفزازاً يهدف إلى دفع المنطقة نحو صدام عسكري شامل قد يقوض جهود المصالحة والعودة التدريجية لمؤسسات الدولة، وهو ما دفع الخارجية السورية والقيادات العسكرية هناك إلى إطلاق تحذيرات واضحة بأن الصبر على هذه التجاوزات له حدود مرسومة بدقة.
التحليل الجيوسياسي/الاقتصادي
من المنظور الجيوسياسي، فإن أي اهتزاز أمني في شرق الفرات لا يقتصر أثره على الداخل السوري، بل يمتد ليشمل المصالح الإقليمية لكل من السعودية، ومصر، والإمارات، التي تتبنى رؤية استقرار الدولة السورية كمدخل للأمن القومي العربي. السعودية، عبر منابرها الإعلامية مثل صحيفة «عكاظ»، تراقب الوضع عن كثب، حيث تدرك الرياض أن عدم الاستقرار في الشمال السوري يفتح الثغرات أمام التدخلات الأجنبية، وتحديداً الأطماع التركية التي تتربص بفرصة لشن عملية عسكرية جديدة تحت ذريعة حماية أمنها القومي. كما أن هذا التوتر يضع الجانب الروسي في موقف حرج، بصفته الضامن لاتفاقات خفض التصعيد، مما يضطره للتدخل العاجل لمنع انزلاق الأمور إلى مواجهة مفتوحة.
اقتصادياً، تعتبر الحسكة سلة الغذاء والنفط لسوريا. إن استمرار حالة الفوضى والاعتقالات المتبادلة يعيق حركة التجارة الداخلية ويؤثر على إمدادات القمح والمحروقات إلى باقي المحافظات السورية. بالنسبة للقوى الإقليمية العربية، فإن استعادة دمشق لسيطرتها على هذه الموارد هو جزء لا يتجزأ من خطة إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي. بالإضافة إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة التي تقدم الدعم لـ «قسد» قد تجد نفسها في مواجهة معضلة جديدة؛ فإما كبح جماح حلفائها الأكراد لمنع التصعيد، أو المخاطرة بفقدان التوازن الهش الذي يمنع الصدام المباشر مع القوات الروسية والسورية في تلك المنطقة الاستراتيجية.
التوقعات المستقبلية
في الأيام القليلة القادمة، من المتوقع أن تدخل روسيا على خط الأزمة كعادتها للعب دور الوسيط لنزع فتيل الانفجار، حيث قد نشهد عملية تبادل للمعتقلين ورفعاً للحصار عن المربعات الأمنية مقابل تعهدات متبادلة. ومع ذلك، يظل احتمال التصعيد العسكري قائماً إذا ما استمرت «قسد» في نهج فرض الأمر الواقع، خاصة إذا شعرت بتراجع الدعم الأمريكي أو بوجود تفاهمات سرية (سورية-تركية) قد تستهدف نفوذها. السيناريو الأرجح هو العودة إلى حالة «الاستقرار القلق»، بانتظار متغيرات دولية أكبر تتعلق بملف الانتخابات الأمريكية أو التحولات في الموقف التركي تجاه دمشق.
المصدر: GDELT Intel




