أبرز النقاط
- ميليشيات قسد تشن حملة مداهمات واسعة النطاق تستهدف الشبان في الأحياء ذات الغالبية العربية بمدينة الحسكة.
- تصاعد التوتر الشعبي والقبلي رداً على ممارسات التجنيد الإجباري والاعتقالات التعسفية في مناطق شرق الفرات.
- مخاوف من استغلال القوى الإقليمية لحالة عدم الاستقرار لزعزعة خارطة السيطرة في شمال شرق سوريا.
السياق العام
شهدت مدينة الحسكة خلال الساعات القليلة الماضية تطورات أمنية متسارعة، حيث قامت وحدات تابعة لميليشيا قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بتنفيذ حملة اعتقالات مكثفة طالت عشرات الشبان في الأحياء العربية. وتأتي هذه التحركات وسط حالة من الغليان الشعبي الذي تشهده المنطقة منذ فترة، نتيجة السياسات التي تتبعها الإدارة الذاتية، والتي يراها الكثير من أبناء المكون العربي تهميشاً متعمداً ومحاولة لفرض واقع ديموغرافي وعسكري جديد. إن توقيت هذه الحملة يثير تساؤلات عديدة حول الأهداف الكامنة وراءها، خصوصاً أنها تتزامن مع ضغوط ميدانية وسياسية يواجهها مشروع الإدارة الذاتية في عدة جبهات.
تاريخياً، عانت العلاقة بين المكون العربي وقيادة قسد من هزات عنيفة، لا سيما في مناطق دير الزور والحسكة، حيث تكررت الاحتجاجات ضد سياسات التجنيد الإجباري والمناهج التعليمية. وتعد هذه الاعتقالات الأخيرة حلقة في سلسلة طويلة من المحاولات الأمنية لضبط الشارع ومنع أي تحركات احتجاجية قد تتطور إلى انتفاضة عشائرية شاملة. إن المشاهد التي بثها إعلام قسد للحملة الأمنية تظهر انتشاراً عسكرياً كثيفاً، وهو ما يفسره مراقبون بأنه رسالة استعراض قوة موجهة للداخل وللقوى الإقليمية المتربصة بالمنطقة.
التحليل الجيوسياسي والسيناريوهات الإقليمية
تتجاوز أهمية ما يحدث في الحسكة الحدود السورية المحلية لتلقي بظلالها على التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. بالنسبة للقوى العربية الكبرى مثل المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات، يمثل استقرار شرق سوريا حجر زاوية في الأمن القومي العربي. الرياض والقاهرة تنظران بعين القلق إلى أي تحركات قد تؤدي إلى إضعاف المكون العربي في هذه المناطق، مما قد يفتح الباب أمام تغلغل الميليشيات الإيرانية التي تسعى لتأمين ممرات برية عبر البادية السورية وصولاً إلى دمشق وبيروت. لذا، فإن استمرار قسد في استهداف الشباب العربي قد يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث يدفع العشائر للبحث عن تحالفات بديلة قد لا تخدم الأجندة الدولية الحالية.
من ناحية أخرى، تتابع تركيا هذه التطورات بدقة، حيث تجد في القمع الأمني الذي تمارسه قسد مادة دسمة لتعزيز سرديتها حول عدم شرعية هذه القوات وضرورة حماية المكونات الأصيلة في المنطقة. اقتصادياً، تعتبر الحسكة سلة الغذاء والنفط السورية، وأي اضطراب أمني واسع النطاق سيؤثر مباشرة على إمدادات الطاقة والقمح، مما يزيد من معاناة السوريين في كافة مناطق السيطرة. إن السياسة الأمنية المتشددة التي تتبعها قسد قد تعرقل الجهود الرامية لدمج المنطقة في منظومة سياسية مستقرة، وتجعل من الصعب على القوى الإقليمية الداعمة للاستقرار بناء جسور ثقة مع القيادات الحالية في شمال شرق سوريا.
التوقعات المستقبلية
من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة تصاعداً في وتيرة الاحتجاجات السلمية أو حتى المقاومة المسلحة المحدودة في الأحياء العربية بالحسكة إذا لم يتم الإفراج عن المعتقلين. هناك سيناريوهان أساسيان: الأول هو تراجع قسد وفتح باب الحوار مع الوجهاء العشائريين لاحتواء الموقف، وهو الخيار الأكثر ترجيحاً لتجنب صدام شامل. أما السيناريو الثاني، فهو استمرار التصعيد الأمني، مما قد يدفع بمزيد من الانشقاقات داخل الصفوف العربية المنضوية تحت لواء قسد، وربما يؤدي ذلك إلى تدخل قوى خارجية بشكل مباشر لدعم المطالب العشائرية، مما يعيد رسم خريطة النفوذ في شرق الفرات بشكل جذري.
المصدر: TG: رؤى لدراسات الحرب




